مجمع البحوث الاسلامية
312
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وهذا وإن كان الجهاد الأكبر ، كما سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنّه قريب من كلّ إنسان ، إنّه أقرب شيء إليه ، لا يتكلّف له مالا ، ولا يبذل له نفسا . ومع هذا فهو درجات ، يبدأ بالكفّ عن الكبائر ، وينتهي بالانتهاء عن اللّمم والصّغائر . ومن الجهاد مثلا : الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، فهو مجاهدة بالقلب وباللّسان ، لا بالنّفس ولا بالمال . وفي باب الجهاد كذلك : رفع اللّه الحرج عن الضّعفاء والمرضى ، وأصحاب العاهات ونحوهم ، وأعفاهم من الجهاد بأنفسهم ، التّوبة : 91 . وقل مثل هذا في جميع أوامر الشّريعة وأحكامها ، إنّها شريعة قائمة على اليسر ورفع الحرج . [ ثمّ استشهد بآيات وأحاديث ] ( 9 : 1106 ) فضل اللّه : فقد أتاكم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالشّريعة السّمحة السّهلة ، وبالدّين الّذي هو - في مجمله - يسر لا عسر فيه ، فهو يتناسب مع الطّبيعة الإنسانيّة دون أن يحمل أيّ ضيق خارج عن استطاعة الإنسان وقدرته . وكلّ ما يحسبه الإنسان عسرا في هذه الشّريعة السّمحة ، ما هو بعسر أو ضيق إلّا لمن يهرب من مواجهة التّكليف بالالتزام الّذي يرفضه البعض ، تخفّفا من قيود المسؤوليّة مهما كانت . وقد استفاد الفقهاء من هذه الفقرة قاعدة فقهيّة عامّة ، تقضي بنفي الحرج في التّكاليف الّتي تستلزم الحرج ؛ وذلك برفع الحكم الّذي يوقع المكلّف في ضيق فوق العادة ، أو الّذي يتعلّق بفعل حرجيّ . وقد تحدّث الفقهاء بشكل تفصيليّ عن هذه القاعدة من حيث طبيعتها ومواردها وتفريعاتها ، في ما اتّفقوا عليه من ذلك ، أو في ما اختلفوا فيه . وقد رأى بعضهم أنّ الاضطرار الّذي هو حدّ التّكليف الّذي ترتفع به المحرّمات ، أو تسقط به الواجبات ، هو بنفسه الحرج الّذي جاءت هذه الآية لرفعه ، لأنّ الاضطرار المأخوذ حدّا للتّكليف ليس هو الاضطرار العقليّ الّذي تتوقّف عليه الحياة ، بل هو الاضطرار العرفيّ الّذي تضيق به حركة الحياة في الواقع ، وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه . ( 16 : 126 ) 3 - كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ . . . الأعراف : 2 ابن عبّاس : فلا يقع في قلبك شكّ ( منه ) من القرآن أنّه ليس من اللّه . ( 124 ) نحوه مجاهد وقتادة ( الطّبريّ 8 : 116 ) ، والسّدّيّ ( 257 ) . الضّحّاك : إثم . ( الثّعلبيّ 4 : 215 ) الحسن : الضّيق . ( ابن الجوزيّ 3 : 165 ) نحوه أبو العالية ( الثّعلبيّ 4 : 215 ) ، ومغنيّة ( 3 : 299 ) . الفرّاء : لا يضيق صدرك بالقرآن بأن يكذّبوك ، وكما قال اللّه تبارك وتعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا الكهف : 6 . ( 1 : 370 ) نحوه أبو عبيدة ( 1 : 210 ) ، والقمّيّ ( 1 : 223 ) . ابن قتيبة : الحرج : أصله الضّيق . ومن الضّيق : الشّكّ ، كقول اللّه تعالى : فَلا يَكُنْ . . . أي شكّ ، لأنّ الشّاكّ في الشّيء يضيق صدرا به .